محمد أبو زهرة
1379
زهرة التفاسير
ومعنى النص الكريم أنه لا يجوز للمؤمنين أن يتخذوا مستشارين ونصحاء ، يستبطنون أمورهم من دونهم أي من غيرهم ، فمعنى « دونكم » هنا « غيركم » الذين لم يبلغوا ما أنتم فيه من قوة الإيمان والإخلاص للحق ، ومثل ذلك قوله تعالى : وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذلِكَ . . . ( 82 ) [ الأنبياء ] أي غيره الأقل منه . وصدر النداء بوصف الإيمان للإشارة إلى أن مقتضى الإيمان ألا يستعينوا بأولئك الذين كفروا بآيات اللّه تعالى ، وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ، فقضية إيمانكم وكفرهم توجب ألا تأمنوهم في خاصة أموركم ، ولقد كان السلف الصالح يأخذون بذلك الهدى القرآني ، فقد كان عمر رضى اللّه عنه ينهى عن اتخاذ الأعوان من أهل الكتاب وغيرهم ، فقد قال رضى اللّه عنه : ( لا تستعملوا أهل الكتاب ، فإنهم يستحلون الرشا ، واستعينوا على أموركم ورعيتكم بالذين يخشون اللّه تعالى ) وقيل لعمر رضى اللّه عنه : إن هاهنا رجلا من نصارى الحيرة لا أحد أكتب منه ، ولا أخطّ بقلم ، أفلا يكتب عنك ؟ فقال الإمام النافذ البصيرة : ( لا آخذ بطانة من دون المؤمنين ) . وقد ذكر سبحانه الأوصاف والأحوال التي توجب الامتناع عن اتخاذ بطانة منهم ، فذكر لهم أحوالا ثلاثة : أولها ، وهي كافية في إبعادهم عن أسرار الدولة ، وهي التي قال اللّه تعالى فيها : لا يَأْلُونَكُمْ خَبالًا . الخبال كالخبل : الاضطراب والفساد وهما متلازمان ، فلا اضطراب إلا ومعه فساده ولا فساد إلا يترتب عليه اضطراب ، فهما معنيان متقاربان ومتلازمان ، ومعنى « يألو » بقصر في بذل الخير ويبذل الأذى غير مقصر ولا متوان ، بل ينتهز الفرص ، وهي تتعدى إلى مفعول واحد ، وقد تتعدى إلى مفعولين إذا تضمنت معنى المنع ، ومعنى قوله تعالى : لا يَأْلُونَكُمْ خَبالًا ( لا يقصرون في جهد يبذلونه لضركم ، ولا يمنعونكم خبالا واضطربا في الأمور ) ، أي لا يمنعونكم باذلين الجهد في تحقيق مقصدهم ومرادهم فسادا واضطرابا في الأمور ، ليفسدوا عليكم دينكم ، ويقوضوا دعائم دولتكم ، ويخضدوا شوكتكم ، ويكون أمركم بوارا بالفتن التي يبثونها ، والريب التي يثيرونها .